حسن حنفي
443
من العقيدة إلى الثورة
حريته . كما أن تفاوت الناس في ادراك النافع والضار أو الحسن والقبيح ليس ذريعة لفرض الوصايا عليه واعلان قصور العقول بل يمكن تجاوزها بتعاون البشر والخبرات المشتركة وتبادل المعارف والعلوم ، والنصيحة المشتركة والتنبيه والتذكير ، وفي الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو أحد مظاهر ممارسات الحرية . ولما ذا الشعور بالدونية أمام قوة أخرى أسمى وأعظم عقلا وإرادة مع أن الانسان سيد الكون وأعظم من الجبال والمحيطات والأنهار لأنه قادر على تسخيرها لصالحه ولديه عقل قادر به على معرفة أسرار الكون وادراك قوانين الطبيعة ، وهو الوحيد الكائن الحر الّذي قبل تأدية الأمانة وتحقيق الرسالة ؟ « 96 » لما ذا الاعلان عن قصور العقل وبيان حدوده والأكرم للانسان بيان قواه وامكانياته اللا محدودة ؟ لما ذا الاعلان عن أن الانسان في حاجة إلى هاد يهديه ، ومرشد يرشده ؟ لم هذا الاحساس بالتقصير والقصور وأن الانسان في حاجة إلى وصى وهو النبي ؟ ولما ذا تثبت النبوة على أنقاض العقل ؟ ان ارجاع الحسن والقبح إلى الذات العاقل ثم ايقاعه في نسبية الأهواء والانفعالات وتفاوت الأمزجة والطبائع واختلاف الظروف والمواقف كل ذلك يفضى إلى الغاء العقل والاغراق في الاشراق أو يؤدى في النهاية إلى هدم العقل لافساح المجال للنبوة وكأن النبوة مكملة للعقل ان لم تكن مضادة له . وذلك في الحقيقة تدمير للعقل من أجل افساح المجال للنبوة . فالغاية البداية بالعقل لهدمه ، واثبات الحسن والقبح لاثبات النبوة ، العقل مجرد وسيلة وليس غاية ، بداية وليس نهاية ، مقدمة وليس نتيجة ، وهو أقرب إلى النفاق منه إلى العلم ، وتضحية بالعدل أيضا من أجل التوحيد بطريقة أذكى من الجبر الّذي لا يعترف بشيء أصلا لا في التوحيد فينكر الحرية ولا في العدل فينكر الحسن والقبح العقليين « 97 » .
--> ( 96 ) هذا هو معنى الآية الكريمة إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ( 33 : 72 ) . ( 97 ) لو حسن من الله كل شيء لحسن منه الكذب ، وفي ذلك ابطال للشرائع وبعثة الرسل بالكلية لأنه قد يكون في تصديقه للنبي كاذبا فلا يمكن تمييز النبي عن المتنبي وأنه باطل اجماعا ، ولحسن منه خلق المعجزة على يد الكاذب وعاد المحذور ، المواقف ص 327 .